أحمد بن محمد مسكويه الرازي
275
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
الانسان ربّما تذكر لذاته من إصابة الشهوات وطيبها ، ومراتب كرامته من السلطان وغيرها فاشتاق إليها ، وإذا اشتاق إليها تحرك نحوها فقد جعلها غرضا له فيضطر إلى استعمال الروية واستخدام النفس الناطقة فيه لتدبر له الوصول اليه . وهذه صورة من يثير بهائم عادية ويهيج سباعا ضارية ثم يلتمس معالجتها والخلاص منها . وليس يختار العاقل لنفسه هذه الحال بل هي من أفعال المجانين الذين لا يميزون بين الخير والشر ولا بين الصواب والخطأ . ولذلك يجب ان لا يتذكر اعمال هاتين القوتين لئلا يشتاق إليها ويتحرك نحوها ، بل يتركهما فإنهما سيثوران لأنفسهما ويهيجان عند حاجتهما ، ويلتمسان ما يحتاج البدن اليه ويتخذان من باعث الطبيعة ما يغنيك عن بعثهما بالفكر والروية والتمييز ، فيكون حينئذ فكرك وتميزك في إزاحة علتهما وتقدير ما تطلقه لهما في الأمر الضروري الواجب لأبداننا الحافظ لصحتها . وهذا هو امضاء مشيئة اللّه تعالى وإتمام سياسته ، لأنه تعالى انما وهب هاتين القوّتين لنا لنستخدمهما عند حاجتنا اليهما ، لا لنخدمهما ونتعبّد لهما . فكل من استعمل النفس الناطقة في خدمة عبيدها فقد تجاوز أمر اللّه وتعدى حدوده وعكس سياسته وتقديره ، وذلك ان خالقنا عز وجل رتب لنا هذه القوى بتدبيره وتقديره ، ولا عدل أشرف وأفضل من ترتيبه وتقديره . وكل من خالفه وعدل عنه فهو أعظم جائر على ذاته وأكبر ظالم لنفسه . وينبغي لحافظ الصحة على نفسه ان يلطف نظره في كل ما يعمل ويدبر ، ويستعمل فيه آلات بدنه ونفسه لئلا يجري فيها على عادة تقدمت له مخالفة لما يوجب تمييزه ورويته ، فما أكثر ما يعرض للإنسان بدو افعال تخالف لما قدم فيه عزيمته وعقد عليه رأيه ، فمن عرض له مثل هذا فيجب عليه ان يضع لنفسه